أرشيف التصنيف: مقالات للشيخ

12321134_1077012535655735_2650180329764467562_n

المنهج | بقلم الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي

بسم الله الرحمن الرحيم

المنهج

هو الأصل والمنطلق.. هو الأساس الهندسي الذي يقوم عليه البناء الفكري والخلقي والسلوكي.. هو خارطة الطريق للحاضر والمستقبل.

المنهج جذر شجرة القناعات والتصرفات.

كلما كان المنهج صحيحاً كانت الرؤية واضحة وكان التصور قويماً وعندما يختل المنهج تغبش الرؤية وتضطرب التصورات.

ركز الإسلام من أول أمره على إيضاح المنهج وترسيخ معالمه وتركيز أصوله.. وتلقى الأصحاب الكرام ذلك بقريحة عربية نقية لم تخالطها عُجمة الفلسفات ولم تشبها كدورة اللغات؛ فبعقول راجحة أخذوا، وبقرائح صافية تلقوا، ولذلك لم يدخلوا في الأغاليط ولم يماروا، ولم يتكلفوا ما لم يؤمروا به ولم يغالوا ولم يفرطوا.

المنهج مسلك علمي قويم في التفكير والفهم والاعتقاد والعمل والسلوك، وهو مفهوم أوسع وأرحب من أن يحصر في مذهب معين أو إمام بذاته.

المنهج أصول وقواعد ومنطلقات ثابتة، وهو مع ذلك نقض صارم مستمر للتقليد الأعمى والخرافة والجمود، تأسيساً لحضارة الخير والعدل والإحسان والحق والفضيلة، وخروجاً من وحشة الشتات وخيبة الأوهام وتخرصات الظنون وغمرات اللغط والهرج والمرج، وعروضات البضائع الفكرية المتناقضة وقطع الغيار الثقافية.

المنهج طريق رشد من خلال ثوابته تفتح مشارع التجديد وتتحد رؤاه وتمتد أنفاسه في الزمن كله، ويبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد.. منطلقاً من المنهج لتجاوز أزمنة النكسات والأزمات وكيانات الفساد والانكسارات.

السير بغير منهج خداع وجري خلف السراب؛ لأن البناء على غير أساس هو في الحقيقة هدم، إنه كالمدح الكاذب الذي هو في حقيقته ذم.

سعيد بن ناصر الغامدي

995352_1091062067584115_7733123955602615175_n

مسلم اليوم بين الإستلاب والقطيعة…

إذا نحن لم نفهم المدنية الغربية جيدا وهي السائدة في عالم اليوم خرجنا من إطار عصرنا وبذلك لن نجتهد الاجتهاد الصحيح المؤدي للإصلاح والتغيير الاجتماعي المطابق لظروف العصر، ،إننا حينما نأخذ عن الغرب أو الشرق بمعيارية واضحة ونتجاوز مشاعر الرفض، لن نقف عند العلوم الطبيعية والتجريبية وما نتج عنها من تقنيات ،بل نستطيع أن نأخذ وفي أيدينا معيار الحق ما جاء في مجال العلوم الإنسانية أيضا، وبذلك فقط نستطيع معالجة الطرف المقابل الذي استخذى أمام الغرب تحت شعار الاستفادة وعدم الانعزال ، وهذا التوسط هو الموقف الصحيح بين الطرفين المتناقضين ،لأن كلا الموقفين فيه اعوجاج في التفكير، وخلط بين الثوابت والمتغيرات، وتقديس ما ليس بمقدس ،ويدل على السطحية والعجز عن التأصيل والتمحيص، والميل إلى الارتجال، والانشغال بالدعاوى ،ويشي بالخمول العقلي وغياب الموازين المحددة لما يقبل وما يرفض من نتاج الآخرين، و يدل على غياب المعايير الصحيحة التي تعرف بها أقدار الأشياء وقيمتها ،ويؤكد الانحياز للذات بدون تعقل ،والتمييز ضد الآخرين بلا تعقل أيضاً، وفي المقابل نجد المبالغة في إبراز مزايا الآخرين، والانشغال بجلد ذواتنا وتراثنا .

10392358_1121890674501254_3555815428764981784_n

العبرة الثالثة مما حصل للشثري

المتأمل في الحملة المنسقة التي شنها التيار العلماني الليبرالي ضد الشيخ سعد الشثري، يمكنه الخروج بنتائج عديدة مهمة في شأن الفكر والمجتمع السعودي، والمستقبل المتوقع لهذا المجتمع ومكوناته الأساسية.
ومن المناسب التذكير بأمور مهمة في هذا السياق من خلال النظر فيما أفرزته الحملة من نتائج:

الأمر الثالث :

أن البلاد مرت بتجارب من هذا القبيل،

ولعل أبرز ذلك يتمثل في تجربتين :
الأولى: التجربة المشار إليها سابقاً حينما كانت الناصرية والاشتراكية هي (موضة) التقدم آنذاك، والإسلام والشريعة هي شعار التخلف والمحافظة الرجعية والظلامية، وقد تم تجاوز هذه التجربة بإرادة قوية أعادت القطار إلى مساره، بعد أن غفل سائقه وأضر به من حوله ضرراً بالغاً،على ما في شخصيته من خير وطيبة قلب وصفاء نية، كما يوصف، ويمكن قراءة هذه التجربة بشكل جلي في رواية قلب من بنقلان.
الثانية: التجربة الحداثية التي اكتسح أصحابها معظم المواقع الإعلامية والأندية الأدبية، وحصل التصدي لهذه التجربة بوصفها متناقضة مع أسس مشروعية الدولة والمجتمع، وشارك في التصدي لها شخصيات مهمة، ليس أولهم الشيخ ابن باز -رحمه الله- ولا آخرهم أمير عسير آنذاك الذي قام بنسخ وتوزيع مادة إعلامية تكشف الحداثة المحلية بحقائق ووثائق كما زعم معدها، ومادة أخرى ثقافية تخدم الغرض نفسه بميزان اختاره معد هذه المادة.
المهم في الأمر أن هذه التجربة -في جوهرها- كانت صراعاً حول أسس مشروعية الدولة والمجتمع، بشكل علني أو ضمني، وهو الأمر الذي أدّى إلى انحياز نسبي ضد التجربة الحداثية التي كانت آنذاك تستجن بالأدب والنقد والفن؛ لأن الأجواء الاجتماعية والرسمية غير قابلة لإعلان صريح عن انتماء علماني أو ليبرالي صريح، كما هو حادث هذه الأيام حيث تعلن التجربة الثالثة عن نفسها بقوة وبلا مواربة، بل إلى حد الاجتراء على الجهر بالاستقواء الخارجي (الغربي بالطبع)، وعدم التردد في فتح علاقات سرية أو علنية مع السفارات الأجنبية المهتمة بتغيير البنية الداخلية للبلاد، فضلاً عن المجاهرة بأفكار خطيرة، والنيل من شخصيات مهمة.

10392358_1121890674501254_3555815428764981784_n

العبرة الثانية مما حدث للشثري

المتأمل في الحملة المنسقة التي شنها التيار العلماني الليبرالي ضد الشيخ سعد الشثري، يمكنه الخروج بنتائج عديدة مهمة في شأن الفكر والمجتمع السعودي، والمستقبل المتوقع لهذا المجتمع ومكوناته الأساسية.
ومن المناسب التذكير بأمور مهمة في هذا السياق من خلال النظر فيما أفرزته الحملة من نتائج:

الأمر الثاني:

أنه بالنظر إلى الوضع الداخلي للدولة السعودية والمجتمع السعودي يجد بعض المراقبين أنه قد مرّ بمراحل عديدة، منها التأسيس على أسس معينة، وجمع الشمل على هذه الأسس، ثم بقاء هذه الأسس معلناً عنها ومحترمة، مع صدع بالحرص على إبقائها بعيدة عن الازدراء والاستنقاص، فضلاً عن الاستبدال والاستعاضة، ثم حصول طفرة علمانية-في فترة من الفترات- متمثلة في اللوبي الناصري الاشتراكي العلماني الذي كانت كلمته مسموعة ورؤاه مستجاباً لها إلى حد ما، مع قدرة على التغلغل والتأثير من داخل القلعة، وعندما أدرك الأذكياء خطورة هذه اللعبة وأثرها الكبير على أسس المشروعية تمت الاستفاقة بعمل أبيض سريع أعاد الأمور إلى نصابها، وكان دور العلماء حاسماً حينها، وتم طرد حصان طروادة ومن فيه، لتأتي بعد ذلك مرحلة الاستقرار والاستمرار التي امتدت لعدة عهود، جاعلة من الدولة والمجتمع كياناً متجانساً في أمور عديدة وأحوال كثيرة، بل أعطت صورة معينة في أذهان الناس في الداخل والخارج، هذه الصورة تؤكد أصل المشروعية، وتقول بلسان المراقبين داخلياً وخارجياً بأن السعودية هي آخر القلاع التي صمدت أمام موجات التغريب والعلمنة التي اجتاحت العالم الإسلامي، وأورثت تناقضات داخلية متتالية ومتوالية.

فهل استمرت هذه المرحلة، وبقيت هذه الصورة أم عاد حصان طروادة من جديد؟

سؤال كبير وخطير، وإن كان كل المراقبين المشفقين يتحدثون عنه همساً أو تلميحاً لا يصل إلى حد التصريح الذي كتبه بعضهم عن خطورة البرامكة، في حين يتحدث عنه آخرون(مستفيدون) من هذا الوضع الجديد، يتحدثون بكثير من الغبطة والسرور والدعاية والمدائح المتوخية للإغراء بالمزيد، والهجوم المضاد الشرس على أي ناقد أو ناصح، ولو جاء كلامه مدبجاً بالثناء والأمنيات الطيبة في أوله وآخره. هجوم ميلشيات الليبرالية يتم دائماً، تحت شعارات النهضة والتقدم والرقي، والخروج من مآزق الثبات التي سار عليها من سبق، باعتبار أن هذا الثبات (على أسس المشروعية) ضرب من الجمود الذي لا يتوافق مع معطيات العصر، بل هو – بحسب رأيهم – الذي أدى إلى الضرر بالسمعة والمصلحة معاً.

12321134_1077012535655735_2650180329764467562_n

عبر مما حدث للشيخ الشثري

المتأمل في الحملة المنسقة التي شنها التيار العلماني الليبرالي ضد الشيخ سعد الشثري، يمكنه الخروج بنتائج عديدة مهمة في شأن الفكر والمجتمع السعودي، والمستقبل المتوقع لهذا المجتمع ومكوناته الأساسية.
ومن المناسب التذكير بأمور مهمة في هذا السياق من خلال النظر فيما أفرزته الحملة من نتائج:
الأمر الأول:

أن لكل دولة ونظام أسساً مشروعية، يتم بناء التوجه عليها، ويُرسم المسار، وتتحدد الرؤى، وتوضع الأهداف. وأسس المشروعية هذه هي العمود الفقري للدولة والنظام والمحور الجوهري، وكلما بقيت أسس المشروعية ثابتة وراسخة ومتينة كان ذلك أدعى للبقاء والاستمرار، وكلما حصل التلاعب أو الاستنقاص أو المخاتلة في هذه الأسس كان ذلك مؤذناً بأمور خطيرة في المستقبل القريب أو البعيد
والناظر في قوة الدول واستمرارها أو ضعفها وزوالها يمكنه أن يدرك هذه القضية، ويدرك معها أنه ربما حصلت الإزاحة لهذه الأسس أو الانحياز عنها بسبب ضغط ما، أو لتحقيق هدف ما، أو لتجنب مشكلة معينة، أو لتحصيل مصلحة معينة، وهذا يدل على أن حسن النية المتوفر في مثل هذه الحالات هو نوع من خداع النفس، والإعذار بالنية الحسنة لا علاقة له بالنتائج المترتبة على إضعاف أسس المشروعية أو بعضها، ولعل الأخطر في هذا المجال حينما تتوجه الإرادة لإيجاد أسس للمشروعية غير تلك الأسس التي قام عليها الكيان، حينها تتضخم المشكلة، وتكون مؤذنة بانفصام اجتماعي وتضاد وتنافر يصل في حده الأقصى إلى الاحتراب والفتنة الداخلية، ويبقى في حده الأدنى مثيراً لإشكالات عامة غير منقطعة، مما يعني البقاء في دائرة الارتباك والتردد والاضطراب، وهو ما سوف يقود إلى الاستمرار في التآكل الداخلي رويداً رويداً، حتى وإن كانت القشرة الخارجية تعطي مؤشرات مطمئنة.