أرشيف التصنيف: مقالات للشيخ

12321134_1077012535655735_2650180329764467562_n

منزل القرآن وأهمية تدبره

القرآن كلام من له الكمال المطلق فهو كامل، القرآن كلام العالم بكل شيء والخالق لكل شيء والمالك لكل شيء والمدبر لكل شيء فهو كامل شامل حق مبين.
وقد ورد في منزلة القرآن وفضله آيات كثيرة وأحاديث وآثار:
فمن القرآن وصف الله للقرآن بأنه تبيان لكل شيء.
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الإسراء: 81].
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} [الروم: 58].
وأخبر الله بأن هذا القرآن يهدي من اتبعه إلى أقوم مسلك وأقوم منهج، وأسلم طريق:
قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [سورة الإسراء: 9].
القرآن كتاب الحق نزل من عند الحق وبالحق نزل:
{اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ…} [آل عمران: 2 – 3].
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [سورة النساء: 105].
{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48].
{المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد: 1].
{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 5].
{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6].
{إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ} [الزمر: 41].
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ} [محمد: 2].
القرآن نور وروح وبرهان:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِن رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174].
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].
القرآن فرقان بين الحق والباطل والصواب والخطأ والحقيقة والوهم:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
هو مصدر الهداية:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157].
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52].
{هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20].
{… تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ. هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 1-2].
أما من الأحاديث:
1 – قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أبشروا فإن هذا القرآن طرفهُ بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا، ولن تضلوا بعده أبداً).
2 – وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما بعد، ألا أيها الناس، فإنَّمَا أنا بشرٌ يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتابُ الله، فيه الهدى والنور من استمسك به، وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكِّركُمُ الله في أهل بيتي).
3 – وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (القرآن شافعٌ مشفَّعٌ، وما حِلُّ مصَدَّقٌ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار).
4 – وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كتاب الله هو حبلُ الله الممدود من السماء إلى الأرض).
5 – وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لو جُمِعَ القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار).
6 – وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لو كان القرآن في إهاب ما أكلته النار).
ومن الآثار:
عن علي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: (كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، ولاتتشعب فيه الآراء، ولايشبع منه العلماء، ولايمله الأتقياء، ولايخلق على كثرة الرد، ولاتنقضي عجائبه، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا به فقد هدي إلى صراط مستقيم).
وأسند ابن الأنباري في كتاب (الرد على من خالف مصحف عثمان) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه، لايعوج فيقوم، ولايزيغ فيستعتب، ولاتنقضي عجائبه، ولايخلق عن كثرة الرد).
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغدير يدعى خُماً بين مكة والمدينة، فقال: (يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله فيه…).
أمر الله تعالى بتدبر القرآن واتباع هداه:
قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17].
المحرومون من فقهه:
قال تعالى: {وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَيُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا} [الإسراء: 41].
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ. كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ} [الروم: 58-59].
هو موعظة وشفاء لما في الصدور:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44].
هو بشارة لأهل الإيمان:
قال تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97].
وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102].
وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} [مريم: 97].
وقال تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ. هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 1-2].

10392358_1121890674501254_3555815428764981784_n

منهج الانصاف مع الموالف والمخالف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فالمنهج الحق قائم على العدل والإنصاف مع الموافق والمخالف، قال الله تعالى:
(ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وقد قرأت مقال الأخ الأستاذ خضربن سند(في شأن د/ محمد عبده يماني رحمه الله) وهو مقال جيد فيه عدل وإنصاف وقد أشار إلى المآخذ وذكر المناقب،فأرسلته، وكتبت في صفحتي عدة تعليقات عن وفاة هذا الوجيه وموقفه من إغلاق حلقات تعليم القرآن، فراسلني بعض الناس ينتقدون مقال الأستاذ خضر وكتب بعضهم معلقا في صفحتي،وقد بلغ الغلو ببعضهم أن وصف الرجل بأنه ضال مضل وأنه لم يذهب للأمير إلا دفاعا عن طريقته ومذهبه،ونحوا من هذه الأقوال المتجانفة،والاطلاقات الواجفة، والتي هي لهدي السلف مخالفة.
ومن اطلع على تراجم العلماء -علماء المبتدعة- في كتب الذهبي والمزّي وابن كثير(مثلا) رأى كم في طياتها من استمساك بالحق ونصح للخلق وصدق في الأوصاف للمخالف والموالف، ويكفي من أراد الانصاف أن ينظر في ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي،وأما من ركب مركب الاعتساف فلن يكفيه شيء ولن يكفه عن غلوه كاف!!
وفي كتب العلماء الراسخين نجد الكثير من شواهد هذه الميزة الكبيرة (ميزة العدل والإنصاف) و(ذكر المآخذ والمحاسن)، و(الترحم على كل مسلم)،
ولعل من أهم الأسباب التي جعلت بعض الناس يكره المنهج السلفي (وهو الحق الذي نؤمن به) هو مثل هذه المقالات المتحاملة التي وصفت الرجل الراحل بأنه ضال مضل! وجعلت ذهابه إلى الأمير إنما هي لنشر بدعه في شرق وجنوب جدة.
والذين عرفوه من المشائخ وطلاب العلم وعرفوا جهوده يثنون عليه كثيرا (وإن كانوا لا يقرّونه على أخطائه)، كما لا يقرون غيره وإن كان أقرب الناس إليهم
وها هو قد بذل نفسه للدفاع عن حلقات التحفيظ. أما ادعاء أن وراء الأكمه ما وراءها فهو من الظن الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم (الظن أكذب الحديث).

والذين لهم علاقة بجماعة تحفيظ القرآن بجدة ومكة (من أساتذة الشريعة والعقيدة) يعرفون التفاصيل ولم يذكر أحد منهم ما جاء في التهمة المذكورة عن شرق وجنوب جدة.
فلنتق الله في الناس وفي المنهج الذي نحمله، وقد قال الله عن الكفار وهم كفار(ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك..) وقال صلى الله عليه وسلم يوم بدر وقد رأى عتبه بن ربيعة على جمل له أحمر:
(إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا) – البداية والنهاية 3/ 328-،
ولما استقبله صلى الله عليه وسلم الأنصار يهنئونه بالنصر في بدر قال أحد شباب الأنصار:
(ما الذي تهنئوننا به والله إن لقينا إلا عجائز كالبدن المعقلة فنحرناها) فقال النبي صالى الله عليه وسلم:
(أي ابن أخي أولئك الملأ)،قال ابن هشام(يعني الأشراف والرؤساء)
-البداية والنهاية 3/ 372- وهكذا كان دأب المسلمين أصحاب المنهج الصحيح في التعامل مع القريب والبعيد، يقول ابن القيم رحمه الله:
(والله تعالى يحب الإنصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصّب نفسه حكما بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى “وأمرت لأعدل بينكم”، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل بنزوله، ويدين بدين العدل والإنصاف)- إعلام الموقعين 3/ 94- وله رحمه الله باب كامل في فضائل الإنصاف في زاد المعاد من أنفس ما كُتب.
وكذلك منزلة الفتوة في مدارج السالكين، ففيها كلام لا يكاد يوجد في غيره ثم إنه ما من إنسان إلاَّ وفيه عيب ونقص:
قال ابن تيمية في الفتاوى 19/ 191: (وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة إمَّا لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإمَّا لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإمَّا لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الإنسان ربه ما استطاع دخل في قوله: {ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وفي الصحيح أن الله قال: (قد فعلت)].
وقال سعيد بن المسيب: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلاَّ وفيه عيب ولكن من الناس من لاينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقال ابن الأثير: (وإنَّما السيد من عدت سقطاته وأخذت غلطاته فهي الدنيا لايكمل بها شيء وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حق على الله أن لايرفع شيئاً من الدنيا إلاَّ وضعه).
وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: (من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيراً ظاهر، فإنه يحتمل منه ما لايحتمل لغيره ويعفى عنه ما لايعفى عن غيره، فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث بخلاف الماء القليل فإنه لايحتمل أدنى خبث).
وقال ابن تيمية في الدرء 2/ 101 بعد أن ذكر الباقلاني والغزالي وأبو ذر المتكلم وابن العربي وأبو المعالي الجويني: (ثُمَّ إنه ما من هؤلاء إلاَّ من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لايخفى على من عرف أحوالهم… وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه(يقصد علم الكلام والرد على المعتزلة بالمنطق) فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنه من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل وخير الأمور أوساطها.
وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين والله تعالى يتقبل من جمع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة ا لرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}. أو كما قال رحمه الله
نسأل الله أن يشرح صدورنا ويهدينا، ونسأله أن يرزقنا كلمة الحق في الغضب والرضا كما كان يدعو بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.

995352_1091062067584115_7733123955602615175_n

الحسبة والاحتساب

تعريف الحسبة :هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله
ويعتبر نظام الحسبة من مفاخر الحضارة الإسلامية وهو نظام رقابي فعال يقوم بعض الناس لحماية محارم الله أن تنتهك ورعاية حقوق الله وصيانة مصالح الناس عبر المحافظة على حقوق الناس العامة والخاصة، وكانت الحسبة(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) جزءا من كيان الدولة ،
ويشمل جوانب متعددة منها:
1- الاحتساب على الحكام والأمراء وأصحاب الولايات
2- الاحتساب في الجانب التعبدي كالأمر بصلاة الجماعة وتعاهد المؤذنين ومنع الفطر جهرا في رمضان لغير أولي العذر
3- الاحتساب في الجانب الأخلاقي مثل منع الخمور والفجور والسفور
4- الاحتساب في الجانب الاعتقادي كالسحر والكهانة والجهر بالضلالات
5- الاحتساب في الجانب المدني المعيشي مثل مراقبة الصناع وأرباب الحرف كالأطباء والصيادلة والخبازين والبقالين ، ومراقبة الأبنية والطرقات ، ومراقبة النظافة والمظاهر العامة
6- الاحتساب في الجانب الاقتصادي مثل مراقبة المكاييل والموازين ومنع الغش في المعاملات والصناعات،والنظر في سوق النقد،ومنع الاحتكار.
وغير ذلك مما هو مدون في كتب التاريخ ونصاب الاحتساب

انقسام المرجعيات من حيث الجملة

والمرجعيات في العالم باعتبار موضوعها تنقسم من حيث الجملة إلى أربعة أقسام:
1- المرجعية الإلهية الصحيحة.
2- المرجعية الإلهية المحرفة .
3- المرجعية الوثنية.
4- المرجعية المادية.

الحوار بين الإفهام والإفحام

المرجعية عند اليهود:

تقوم عندهم تقريباً على [الإقرار بوجود الله، وأنه خالق للخلق، ليس له كمال مطلق، وله ولد، وقد اختار الله اليهود أبناء وأحباء، وله تأثير في عالم الغيب والشهادة، وهو غير مستقل عن الخلق، وله تدبير محدود، وقد أرسل لهم رسلاً وأنزل كتاباً هو التوراة وهو آخر الكتب المنزلة, وقد شرحه الأحبار وفسروه بما هو مساوٍ للأصل المنزل].
هذه – تقريباً – أظهر المعاني التي يكاد اليهود يتفقون عليها من حيث الجملة، إذ من الصعوبة بمكان تحديد مرجعية واحدة شاملة لكل اليهود، وذلك بسبب (غياب التجانس والتعددية المفرطة التي تصل إلى حد التناقض .. (مما) جعل اليهودية تشبه التركيب الجيولوجي التراكمي المكون من عدة طبقات الواحدة فوق الأخرى وبسبب غياب التجانس يكون من الصعب تعريف هوية اليهودي).
ولعل من أسباب التناقض الحاد بين فرق اليهود، ذلك الإطار المرجعي الذي ذكر آنفاً لما ينطوي عليه من تناقضات في ذاته كاعتقادهم أن الله خالق الخلق وهو في ذات الوقت له ولد، إضافة إلى أن ما يسمونه العهد القديم لم يدون إلا بعد نزوله بزمن طويل يقدر بمئات السنين حسب قول مؤرخيهم، ثم ظهور طبقة اليهودية الحاخامية بصلاحياتها الدينية شبه المطلقة أدى أيضاً إلى وجود تناقضات حادة وغموض شديد في بعض المفاهيم) (.
إذا عدنا إلى المرجعية اليهودية المصاغة آنفاً على وجه التقريب فإننا نجد مجموعة من المفاهيم أهمها:
(مفهوم الإله) وهو المفهوم الجوهري والمحوري، فإن اليهود يعترفون من حيث المبدأ بوجود (إله خالق) وفي الوقت ذاته نجد أن (العهد القديم يتحدث عن إله وآلهة أخرى وأصنام)) (.
إضافة ً إلى ذلك فهم لا يعتقدون أن لله تعالى كمالاً لا في ذاته ولا في صفاته، فالأله لديهم اسمه (يهوه) وهم يعتقدون أنه يخطئ ويثور، ويقع في الندم ويأمر بالسرقة ويتعب، وله ولد هو عزير، ويده مغلولة، وهو قاس متعصب، مدمر لشعبه، وهو مع كل ذلك هو إله لبني إسرائيل فقط ، فقد اتخذهم أبناء وأحباء لا يعذبهم، وهو عدوٌ لمن سواهم) (.