أرشيف التصنيف: مقالات للشيخ

10392358_1121890674501254_3555815428764981784_n

المرجعية باعتبار نتائجها ومآلاتها:

مر عند ذكر (موضوع ومعلوم المرجعية) وأنه كلما كان موضوعها ومعلومها كاملاً عظيماً كانت المرجعية أشرف وأرفع منزلة وأعلى درجة، ومثل هذا يقال في هذا القسم، فالأول يتحدث عن البدايات وهذا يتحدث عن المآلات.
فلا يكفي وثاقة دليل المرجعية، بل لا بد من معرفة أثارها ونتائجها لنحكم حينئذ على مدى فائدة هذه المرجعية ونفعها؛ وذلك لأن المرجعية تتحكم في مسيرة الإنسان وتحدد دوره في الحياة وتحدد مآله في الآخرة، فليس الأمر مجرد مسائل ذهنية أو مناقشات كلامية أو أرقام حسابية أو جدليات منطقية، بل الأمر أعظم من ذلك، إنه يتعلق بحياته في هذه الدنيا وكيف يعيشها (شعائر ومشاعر وشرائع وأخلاقاً) ويتعلق بحياته في الدار الآخرة وكيف يكون مصيره.
إن الإنسان في الدنيا لن يستريح فكره ولن يهدأ باله – إن كان يهتم بنفسه – إلا إذا حصلت له الإجابة المقنعة اليقينية عمن أوجده ولم أوجده و إلى أي شيء سيصير، وما علاقته بهذا الكون الفسيح، وما الذي كان قبل هذا الكون وماذا سيكون المستقبل.
فإذا كانت المرجعية التي يستند إليها تجيبه إجابة صحيحة على هذه الأسئلة الكبرى عن طريق الأدلة اليقينية استنار عقله وأطمأن قلبه وعاش حياة طيبة.
أما إذا استند إلى مرجعية ناقصة أو مشوهة أو منحرفة فلن يصل إلا إلى تشاكس وتناقض واجتزاء، واختزال جانب من الإنسان على حساب جوانب أخرى، بل يصل إلى حالة ينسى فيها نفسه وكيانه ومصلحته الحقيقية ولذته الكاملة فيقع فريسة للأوهام والخرافات والغفلة التائهة.
وإذا تأملنا المرجعيات المختلفة والمخالفة للمرجعية الإسلامية الصحيحة، ونظرنا في نتائجها وآثارها ومآلاتها أمكننا حينئذ أن نعرف مقدار التفاوت وضخامة الفرق، سواء نظرنا في النتيجة المباشرة أو في المآل النهائي لهذه النتيجة، وفي الجدول الآتي تقريب لهذا المفهوم.

0bc36b3cdcf0be930f82bb4ea8988555

وثاقة أدلة المرجعية:

كلما كانت المرجعية أقوى دليلاً وأكثر تنوعاً وثراء في الأدلة كلما كان ذلك أدعى للالتزام بها وتمثلها في الحياة، وكلما كان دليلها ضعيفاً أو كان محصوراً في أنواع قليلة كلما كان ذلك أدعى لقلة الاستمساك بها وضعف الأخذ بمقتضياتها، وهذه القوة أو الضعف في أدلة المرجعية قد تكون في ذاتها فالباطل ضعيف المستند وإن انتفش وادعى وتزخرف والحق قوي المستند في ذاته، وقد تكون بسبب معرفة الإنسان أو جهله، فكم من مضاد للحق بسبب الجهل والظلم القائم بذاته.
والأدلة اليقينية المقنعة تشرح صدر صاحبها وتنير فكره وتطمئن قلبه، أما إذا لم يهتد لذلك فهو إما لعدم بلوغ الأدلة له، أو لعناده وجحوده أو لإعراضه واستكباره.
وقل مثل ذلك عن الإيجابية والسلبية والفردية والجماعية والالتزام والتحرر فإن البراهين العقلية والفطرية والحسية والشرعية تجعل كل واحدة من هذه المتقابلات في مكانها الصحيح باعتبارها جزءاً من الكينونة الإنسانية، فمن علم ذلك وعمل بمقتضاه حصلت له اللذة والنعيم الكامل والسعادة التامة والمنفعة العظيمة والخير الكبير، ومن لم يقبل ذلك حصل على الألم والشقاء والمضرة، والشر الكبير، وليس هذا في شيء من المرجعيات سوى (المرجعية الإيمانية الصحيحة) حيث أنها أقوى العلوم دليلاً وأوثقها برهاناً إذ يتظافر في إثباتها صرائح العقول وبدائه الفطر وأدلة الحس والنقل الصحيح المتلقي بالأسانيد الموصولة الثابتة، وهذا لا يوجد في غير المرجعية الإيمانية الصحيحة, لاشتمالها على الأدلة الموثقة وبمصادرها المتنوعة.
ومن المعلوم أن أصحاب كل مرجعية يرون أن مرجعيتهم تستند إلى أدلة قوية وتقوم على براهين وإلا لما تبعوها وآمنوا بها، ولكن ذلك وحده غير كافي في الحكم على المرجعيات، لأن مجرد الدعوى وميولات النفس وألف الطباع وإرث الآباء والأجداد ليست أدلة، ولا تعتبر عند العقلاء ميزاناً للتمييز بين الحق والباطل، ولو أن أحداَ قال بذلك فإنه سيقع حتماً في شراك النسبية المعرفية المفضية إلى العدمة والمقتضية للمساواة المطلقة بين الأمور المتناقضة، فيصبح على سبيل المثال عابد البقر مساوياَ لمن يعبد الله تعالى، وتصبح أدلة الحس مساوية لأوهام الوثنيين، وتتساوى أدلة الوحي المعصوم مع أوهام المادية الجدلية، وهذا كله منافياَ لحقائق الأمور ومناقض للعقل، ومبطل لأسباب التمييز بين الحق والباطل والخير والشر والفضيلة والرذيلة، والهدى والهوى والبصيرة والعمى.

10392358_1121890674501254_3555815428764981784_n

الخير والشر:

وهما مفهومان متغيران – لا في واقعهما – ولكن في تصورات المرجعيات المختلفة عنها، فالمرجعية المادية – مثلاً – ترى أن القيم الأخلاقية والاجتماعية نسبية ومتطورة وغير ثابتة، فإذا كان العدل اليوم خيراً، فإنه قد يصبح غداً من أقبح الشرور، وإذا كان رباط الزوجية في الإسلام من الأمور الخيرة، فهو عند كهنة البوذيين وأحبار النصارى من الشرور، وإذا كانت المعاشرة والمخالطة بين البالغين من الفتيان والفتيات من المنكرات المحرمة في الإسلام، فهي في العلمانية من التحرر الخيّر المطلوب، وهكذا، وعلى الرغم من ذلك فإن للخير والشر حقيقة في الواقع، وليس هذا مجال الحديث عنه هنا، بل المراد أن المرجعية التي يقتنع صاحبها أنها تجلب له خيراً وتدله على الخير وتبعده عن الشر وتحذره من الشرور فإنه يأخذ بها ويلتزمها ويحرص عليها، إذا كان هو في ذاته يبحث عن الخير ويتجنب الشر، أما إن كان لا يبالي في أي وادي سلك، أولم يجد في مرجعيته ما يجلب له الخير أو يدفع عنه الشر لا علماً ولا عملاً فإن استمساكه بالمرجعية سيضعف وينحل.

0bc36b3cdcf0be930f82bb4ea8988555

المنفعة والمضرة:

هما النتيجة التي يحصلها الإنسان من جراء اختياراته، والإنسان يميل بالفطرة إلى ما ينفعه ويتجنب ما يضره، وهذا مرتبط بما سبق في اللذة والألم، إذ المنفعة لذة وتنعم، والمضرة ألم وأذى، من حيث الأصل.
فإذا كانت المرجعية التي يؤمن بها الإنسان تحقق لها المنفعة (في تصوره) مال إليها والتزم بها، وإذا كانت (في تصوره كذلك) تجلب له الضرر تخلى عنها وتخلص منها.

10392358_1121890674501254_3555815428764981784_n

اللذة والألم:

هما قوتان فطريتان متقابلتان محركتان للفعل والترك عند الإنسان، وهما مرتبطتان بكثير من النزعات الفطرية في الإنسان، فكل حي إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته، ويبتعد عما فيه ألمه وعذابه وهذا ينطبق على أشياء كثيرة، ومنها المرجعية، فعندما يحس الإنسان أن هذه المرجعية تحقق له اللذة العلمية أو العملية أو السلوكية (سواء أكانت دنيوية أو أخروية أو هما معاً) فإنه يأخذها، سواء أكان إحساسه صحيحاً أو باطلاً، عن قناعة أو عن تقليد ومجاراة، وكذلك عندما يحسن أن هذه المرجعية تحقق له ألماً فإنه يتركها بحثاً عن غيرها.