أرشيف التصنيف: مقالات للشيخ

995352_1091062067584115_7733123955602615175_n

المرجعية باعتبار مصادرها وأدلتها ومستنداتها.

بالرغم من كون المرجعية هي الإطار الكلي والأساسي الذي يرتكز عليه كل مذهب أو منهج أو طريقة علمية، إلا أنها في الوقت ذاته لا بد أن تستند إلى مستندات تثبتها وأدلة تؤيد وجودها وبراهين تؤكد استقرارها في نفس المعتقد لها.

وقد يقال بأن (المرجعية) حقيقة كلية فكيف تحتاج إلى برهان أو دليل جزئي وهي التي يؤول إليها الدليل؟

ويجاب عن ذلك بأن (المرجعية) بوصفها تضم مجموعة من المعاني الكلية التي تقوم بالذهن، يصبح وجودها ثابتاً يؤول إليه الجزئي والفرعي، وهي عبارة عن تصور عقلي كلي يدرك به صاحب القدر المشترك الكلي بين المتشابهات، والفوارق المنافية أو المناقضة لهذا التصور، وهي كليات عقلية إدراكية لابد لها من أدلة، ويزيد اليقين بها وينقص حسب قوة الأدلة وضعفها.

وليست مثل الكليات المجردة كالإنسانية المطلقة والحيوانية المطلقة والوجود المطلق.

إن (المرجعية) أياً كانت هي من جنس الإيمان، فكما أن الإيمان له وجود كلي في الإنسان يقوى بالبراهين والأعمال المناسبة له، ويضعف بالجهل والأعمال المضادة له، فكذلك المرجعية لها أدلتها التي توجدها أصلاً، ثم أدلة أخرى تغذيها وتقويها، مثل الشجرة التي لابد لها من بذرة تنشأ منها، ثم تستغني عنها الشجرة، وتحتاج إلى أمور أخرى لنموها كالماء والشمس والتربة الصالحة.

0bc36b3cdcf0be930f82bb4ea8988555

مفهوم (الوحدانية المادية)

المراد به الاعتقاد بمبدأ واحد هو وحده مصدر الكون ومرجع وحدته وتناسقه، والضابط لنظامه، وهذا المبدأ الواحد يعلو على كل شيء ولا يعلو عليه شيء، وهو في هذه المرجعية قوة مادية خالصة موجودة في المادة وجوداً (حلولياً)،

وبذلك يمكن إدراك ثلاثة مفاهيم ينطوي عليها هذا المعنى:

أولاً: تأليه المادة وإضفاء صفة الربوبية إليها.
ثانياً: جعلها في حالة (حلول) دائم أو (وحدة وجود دائم) أي أن (العالم لا يسلــّم إلا بوجوده ويرد كل شيء إلى المادة فهي حية بذاتها، وعنها نشأت الكائنات جميعها وهذه وحدة مادية)( ) تقوم على أن كل ما في الكون مكون من جوهر واحد مكتف بذاته.
ثالثاً: أن العالم والإنسان مستغن عن أية قوة خارجية، ولذلك أصبح من حق الإنسان أن يضع لنفسه من النظم والأخلاق ما يتسق مع النظام المادي، في تسوية كاملة بين الإنسان والكائنات الطبيعية من حيث إلغاء التميزات الإنسانية (الروح العقل العاطفة) أو تفسيرها تفسيراً داخل إطار (الوحدانية المادية) التي يؤمن بها الماديون( ).
أما كون المرجعية المادية قاعدة بناء، عليها (توضع النظم والقيم وتقام العلاقات والمذاهب والمناهج والاتجاهات) فقد سبق الإلماح إلى ذلك عند ذكر الماركسية والوجودية والوضعية بوصفها أمثلة فقط، وإلا فإن جميع النظم والمبادئ والدساتير الحاكمة في الغرب لا تخرج من هذا الإطار، وكذلك معظم مناهج التفكير والتربة والإعلام، مما يزيد التأكيد على أثر المرجعية في حياة الناس وعلاقاتهم وسلوكياتهم ومعظم نظم حياتهم.

0bc36b3cdcf0be930f82bb4ea8988555

المفاهيم الكبرى للمرجعية

وعند التأمل في مضامين هذه المرجعية وتفكيكها إلى عناصرها الأولية سنجد أنها تضم مجموعة من المفاهيم الكبرى وأهمها:

(الإيمان بأن العالم كله مادة) وهذا يشمل عدة قضايا كبرى:

1- اعتبار المادة هي الحقيقة الوحيدة، وعليه فكل موجود فهو مادي، أو يعتمد كلية في وجوده على المادة.
2- أن كل ما يبدو وكأنه ليس مادة مثل الروح والعقل والنفس والوجدان وما يتبع ذلك من ظواهر نفسية أو أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية إنما هي في واقع الأمر مادة، وإنما يفسرها الوجود المادي، لأن كل التغيرات لها سبب مادي، ولذا فإن التفسيرات المادية – عند أصحابها – هي وحدها الممكنة والصحيحة.

– أن الواقع الموضوعي يتكون في حقيقته من مركبات مادية متناهية في الصغر من حيث الحجم، ومتحركة حركة دائبة، وكل ما في الوجود فهو إما هذه المركبات بذاتها، أو أشياء مكونة منها أو علاقات بينها، وما عدا ذلك فلا وجود حقيقي له.
أما (الإيمان بأزلية المادة واعتبارها ذاتية الوجود) فهو مفهوم (مطلق) قائم على أساس أن المادة علة ذاتها ومكتفية بذاتها، ولا تخضع لأية قوة خارجها، ولا يوجد سبب أو محرك خارج الكون لأن (المادة) عبارة عن نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، توجد في داخله مقومات حياته وحركته، بل ويحتوي في باطنه على كل ما يلزم لتفسيره وفهمه، وهذا النظام المادي الأزلي ضروري كلي شمولي تنضوي كل الأشياء تحته ولا يمكنها أن تخرج من قبضته.

أما كون (حركتها أزلية) فهذا أصل ومنطلق القول بالصيرورة الدائمة وأنه لا ثبات مطلقاً، فكل شيء في حالة تغير مستمر، ضمن المسار اللانهائي للحياة.

أما كون (المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم) فهو في مقتضيات الإيمان بأنه لا وجود لجوهر غير المادة ، ومن لوازم الاعتقاد بأزلية المادة ، ولكن تخصيص هذه العبارة يأتي غالباً في سياق إجابة الماديين( )على سؤال من يسأل عن أسباب تغير الظواهر المادية وتبدلها وتنوع تجلياتها، ومن يسأل عن عدم حصول النتائج رغم وجود الأسباب المادية الموجبة للنتيجة، ومن يتحدث عن تنوعات السلوك الإنساني بأشكال غير متوقعة.
وتأتي عبارة (المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم) أيضا عند الحديث عن (الطاقة) بوصفها – عندهم – مادة مرتبطة بشبكة سببية صلبة مترابطة شاملة مكتفية، ليست في حاجة إلى من يوجدها من العدم؛ لأنها بذاتها (جوهر مطلق) غير معتمدة على من يوجدها أو هو يعطيها الحركة والفاعلية، فحركتها وفاعليتها في ذاتها، وهي حركة دائبة مستمرة أبدية لا يتطرق إليها الفناء، وهذه مفاهيم مادية بحتة وإن حاول بعض المتأثرين تلميعها بتفسيرات تضفي عليها نوعاً من القبول.

أما كون المادة (لها قوانين آلية كامنة فيها تخضع لها كل الموجودات خضوعاً حتمياً) فهذا نتاج القول بأن الواقع الموضوعي للكائنات سواء أكانت أجساماً جامدة أو كائنات حية أو جماعات بشرية لها طبيعة مركبة من لبنات مادية، وهذا التركيب محكوم بقوانين ذاتية آلية مطردة وحتمية، ولذلك وجب أن يبحث الناس عن تفسير لكل الظاهرات والتجليات النفسية والاجتماعية والحيوية والفيزيائية في أسباب ضمن هذا الكون المادي فقط، لأن هذا الكون وما فيه مكتف بنفسه غير محتاج إلى قوة خارجية تخلقه أو تدبر أمره أو ترسم مساره.

o5eQDvrm

المرجعية المادية:

المادية منسوبة إلى المادة، وهي اسم فاعل للمؤنث، ومادة الشيء هي ما يحصل الشيء معها بالقوة( )، أو كل شيء يكون مداداً لغيره، وتطلق أيضاً على كل جسم ذي امتداد ووزن( )، ولعل أشمل من ذلك أن المادة هي ما يشغل حيزاً من الفراغ.
والمادية اتجاه فلسفي وضعي له نفوذ كبير وسيطرة على علوم كثيرة وممارسات عديدة، ويقوم هذا الاتجاه على أساس أنه لا وجود لأي جوهر غير المادة، وعليه تقوم المرجعية المادية التي هي المرتكز الجوهري لكل الفلسفات والنظم والمناهج والمدارس والممارسات الغربية الدنيوية (العلمانية) على اختلاف توجهاتها وتنوع وتضاد مضامينها ومسمياتها، إلا أنها تلتقي في المرجعية المادية بوصفها المركز والمقر الثابت الذي تتشعب منه الفروع، وهي بذلك تعتبر الأساس والمطلق والمبدأ الأول لدى المؤمنين بها، وهذا ما سيوضحه التعريف التالي للمرجعية المادية.
[الإيمان بأن المادة وحركتها أزلية ذاتية الوجود، لا تفنى ولا تستحدث من العدم، ولها قوانين آلية كامنة فيها تخضع لها كل الموجودات خضوعاً حتمياً، وبها وحدها يمكن تفسير الوجود والسلوك وحركة الكون والإنسان والحياة، التي هي في تغير مستمر، وصيرورة دائمة، وعلى وفق الوحدانية المادية توضع النظم والقيم وتقام العلاقات والمذاهب والمناهج والاتجاهات].

995352_1091062067584115_7733123955602615175_n

المفاهيم الرئيسية في المرجعية الوثنية:

الاستسلام العبادي والأخلاقي والتشريعي لأوثانهم المؤلهة، بغض النظر عن التفاوت في درجات ذلك بين الوثنيات المختلفة، وهذا ما يؤكد أن المرجعية ليست مجرد صورة ذهنية معزولة بل هي أساس فكري اعتقادي ومنطلق عملي؛ ولذلك يخضع أتباع هذه الوثنيات لتعاليمها العبادية في حالة الإنفراد استحضاراً للطاعة الغيبية، التي سيكون من ثوابها حصول السعادة الدنيوية أو طول العمر كما تطمح إليه الطاوية، أو حصول النفع أو دفع الضر، كل ذلك ضمن إطار الحياة الراهنة، إذ لا تؤمن الوثنيات بالبعث بعد الموت والمعاد إلى الله تعالى، وتحصر الحياة في هذه الدنيا باعتبارها مساراً زمنياً لا نهائياً، وهذا المعنى تسرب أيضاً إلى منظري وفلاسفة المادية الغربية.